الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
432
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
الإلهية واللطائف السبحانية بكلمات غامضة ونكات عالية ، فغشى بعض الحاضرين نعاس بسبب دقة الكلام وبعده عن إدراك مضمونه ، فقال الخواجة غضبا عليهم : ما لكم قد أراكم تتناعسون وتتثاءبون ! فو اللّه لو كلّمت بهذه الكلمات سقف المسجد لتأثر البتة ولتزعزع عن مكانه ، ثم أشار إلى سقف المسجد فظهرت فيه زلزلة وزمزمة من أخشابه ، فوقع أهل المجلس بعضهم على بعض من الخوف ، ومن كان في قرب الباب خرج هاربا إلى صحن المسجد ، ومن كان في قرب المنبر تعلق بقائمته . ولما كنت في ذلك الوقت أصغر الحاضرين ، قمت من مكاني مسرعا وتعلقت بقائمة المنبر . فسكت الخواجة مدة مديدة فوق المنبر ثم شرع في الكلام واستمع له الحاضرون بحضور القلب ، متوجهين إليه بكليتهم . وأما تفسير الية ، فقال : قال اللّه تعالى : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ القصص : الية 77 ] وإحسان اللّه تعالى إلى العبد هو : إن الحق سبحانه كان ظاهرا في الأزل ، والعبد مخفيا ، فأحسن اللّه للعبد بأن جعله ظاهرا وجعل ذاته تعالى مخفية . ثم علّمه وأمره أن يحسن كما أحسن إليه . يعني : اجعل نفسك محبا بنفي وجودك حتى يكون الحق سبحانه ظاهرا . * * * * مولانا القاضي محمد قدّس سرّه وأدام اللّه بركات إفادته : هو من أجلّة أصحاب حضرة شيخنا ، ومن المقبولين عنده . وصنّف كتابا في مناقب حضرة شيخنا وخصائصه وفضائله ، وسماه « سلسلة العارفين وتذكرة الصدّيقين » ، وذكر فيه : تشرّفت بإدراك صحبة حضرة شيخنا في سنة خمس وثمانين وثمانمائة ، وكنت في ملازمته مدة اثنتي عشرة سنة والحمد للّه على ذلك . ولما كان له طبع وقّاد وفهم نقّاد في إدراك لطائف الصوفية ومعارفهم قدّس اللّه أرواحهم ، كان حضرة شيخنا يخاطبه وقت أداء حقائق هذه الطائفة ودقائقهم . قال : سألني حضرة شيخنا يوما : هل تجد نقصانا في عقيدتك التي أخذتها وتلقيتها من أبيك وأمك وأستاذك في صغر سنك بسماع هذه الكلمات الدقيقة مني ؟ قلت : لا ، فقال : إذا يمكن أن نكلمك بأمثال هذه الكلمات . وكتب في « سلسلة العارفين » ، وسمعته شفاها ، يقول : إن سبب اتصالي بصحبة حضرة شيخنا وملازمته أني خرجت من سمرقند مع واحد من طلبة العلوم يسمى ب : نعمة اللّه الكرماني ، قاصدين هراة . ولما وصلنا إلى قرية شادمان ، توقفنا هناك